طلب انضمام للحركة | نشاطات الحركة | من نحن | اتصل بنا

شبكة حنظلة الاخبارية موقع اسراطين - المركز العالمي للسلام منتديات حنظلة

اللجان الثورية الفلسطينية » وحدة الدراسات والأبحاث » الاستبداد السياسي في الأنظمة الغربية
  القائمة الرئيسية  
   
 
  التقويم  
 

«    مارس 2010    »
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
31
 
 
 
  ارشيف الموقع  
  مارس 2010 (2)
فبراير 2010 (6)
يناير 2010 (7)
ديسمبر 2009 (5)
نوفمبر 2009 (2)
اكتوبر 2009 (6)
سبتمبر 2009 (8)
أغسطس 2009 (15)
يونيو 2009 (16)
يوليو 2009 (6)
مايو 2009 (6)
ابريل 2009 (10)
مارس 2009 (9)
فبراير 2009 (11)
يناير 2009 (22)
ديسمبر 2008 (62)
نوفمبر 2008 (19)
اكتوبر 2008 (14)
سبتمبر 2008 (13)
أغسطس 2008 (100)
 
 
  الأكثر زيارة  
  » إشكالية الثروة والرؤية الجماهيرية
» أداة الحكم هم البشرية وشر بلائها
» وفد شعبي فلسطيني يصل إلى الجماهيرية ليبيا
» المبحوح يغتال الموساد / بقلم: أ.د. مصطفى الزائدي
» حديث الأخ قائد ثورة الفاتح من أيلول العقيد معمر القذافي ...
 
 

الاستبداد السياسي في الأنظمة الغربية  
وحدة الدراسات والأبحاث
 
الاستبداد السياسي في الأنظمة الغربية

مقدم إلى المؤتمر العلمي
المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر
مقدم من /
الدكتور : سالم مصطفى القريض
جامعـــــــــة السابـــــــــع من ابريــــــــل

2008-2009م


الاستبداد السياسي في الأنظمة الغربية
ملخص البحث :
الحرية مطلب إنساني والديمقراطية أداتها، وقد تطورت الأداة في الأنظمة التقليدية وتحقق معها بعض المطالب وذلك عن طريق التشكلات البرلمانية النيابية الانتخابية التي يحكم فيها الفائز بالأغلبية كل المجتمع، كما في الأنظمة الغربية المعتمدة للنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي تتحكم بموجبه الرأسمالية في بقية الطبقات العاملة وفي صنع القرار السياسي في الدولة.
وتعوّل الشيوعية على حالة التصادم بين الطرفين لتكون الغلبة للطبقة العاملة وتحقيق الشيوعية ولتتحول السلطة بيد الدولة وتصير مصدر الاستبداد بدلاً عن الرأسمالية الفردية.
ففي النظامين تجزئه وإنقاص للحرية، والأفضل دائماً حكم الشعب لنفسه بنفسه.
ولكشف مظاهر الاستبداد في الأنظمة الغربية أعددت هذا البحث بعنوان : "الاستبداد السياسي في الأنظمة الغربية" وفق العناصر الآتية :
أوّلاً : مفهوم الاستبداد السياسي.
ثانياً : مفهوم الحريات المدنية في الرؤية الغربية ومظاهر الاستبداد فيها :
1-    في الأنظمة القديمة.
2-    في الأنظمة الإقطاعية والرأسمالية.
3-    في النظام الشيوعي.
4-    الخاتمة.
5-    التوصيات.
د. سالم مصطفى القريض
قسم التفسير – كلية الآداب
جامعة الاسبع من ابريل (الزاوية)
 
الاستبداد السياسي في الأنظمة الغربية
مقدمة :
الحرية مطلب إنساني والديمقراطية أداتها، وقد تطورت الأداة في الأنظمة التقليدية وتحقق معها بعض المطالب وذلك عن طريق التشكلات البرلمانية النيابية الانتخابية التي يحكم فيها الفائز بالأغلبية كل المجتمع، كما في الأنظمة الغربية المعتمدة للنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي تتحكم بموجبه الرأسمالية في بقية الطبقات العاملة وفي صنع القرار السياسي في الدولة.
وتعوّل الشيوعية على حالة التصادم بين الطرفين لتكون الغلبة للطبقة العاملة وتحقيق الشيوعية ولتتحول السلطة بيد الدولة وتصير مصدر الاستبداد بدلاً عن الرأسمالية الفردية.
ففي النظامين تجزئه وإنقاص للحرية، والأفضل دائماً حكم الشعب لنفسه بنفسه.
ولكشف مظاهر الاستبداد في الأنظمة الغربية أعددت هذا البحث بعنوان : "الاستبداد السياسي في الأنظمة الغربية" وفق العناصر الآتية :
أوّلاً : مفهوم الاستبداد السياسي.
ثانياً : مفهوم الحريات المدنية في الرؤية الغربية ومظاهر الاستبداد فيها :
1-    في الأنظمة القديمة.
2-    في الأنظمة الإقطاعية والرأسمالية.
3-    في النظام الشيوعي.
4-    الخاتمة.
5-    التوصيات.

 
أوّلاً : مفهوم الاستبداد السياسي
تمهيد :
ارتبط مفهوم الحرية عبر العصور بمفهوم العدالة، واستمر سعي الإنسان لتحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة بينه وبين الآخر، ومعنى الحرية والعدالة رفع الظلم وإحلال المساواة، وهذا يتطلب وجود جهة لها القدرة على ضبط العلاقات بين أفراد المجتمع، والجهة التي أوكل إليها المجتمع الإنساني هذه المهمة هي الحكومة التي لها السلطة والقدرة على تطبيق قوانينها.
وبغض النظر على شكل تلك الحكومة فإنها في وظيفتها العامة تقوم بمهمة ضبط العلاقات بين أفراد المجتمع بما لديها من سلطات تكفل لها تطبيق القوانين، وتنوعت الحكومة وتعددت أشكالها تبعاً لتنوع أشكال الحريات ومتطلبات العدالة، إلى أن وصل الأمر إلى ظهور أنظمة الحكم الحديثة التي جاءت لتلبي حاجة العصر إلى مزيد من التنظيم لشئونه المختلفة وفقاً لقوانين تناسب تطوراته المعرفية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية...، ومازال المجتمع الإنساني يشهد تطوراً مستمراً في أنظمة حكمه، فهذا شأن مطرد تربطه علاقة جدلية مع واقع الإنسان.
وإذا كان الشكل الحديث للحكم البرلماني ممثلاً للسلطة التشريعية، والحكومات التي تتولى تنفيذ السياسات العامة وفقاً لتلك التشريعات، والسلطة القضائية المهتمة بالفصل في المنازعات، فإن دور الجماهير في هذا النظام هو التأسيس له على شكل انتخابات في الجانبين البرلماني والحكومي (الرئاسي). ليكونا ممثلين للشعب للقيام بهمام الدولة المختلفة.
وبذلك يكون هذا النظام السياسي تكريساً للحقوق المدنية في أفضل صورها حسب الرؤية الغربية، وهو ما تحقق بعد تاريخ من التطورات في التجربة السياسية.
وقد اختلف النظام البرلماني في مهامه وفقاً لخصوصية التوجهات الأيديولوجية لكل دولة، واختلفت تبعاً لذلك مهام كل سلطة من السلطات الثلاثة بين هذه الدول، كما هو واضح في الاختلاف بين النظامين الرأسمالي والشيوعي، بل وحتى داخل النظام المرتبط بأيديولوجية واحدة كالنظام الرأسمالي فنجد الملكية الدستورية والجمهورية.
وهذا الاختلاف في داخل النظام البرلماني بما يساير خصوصية كل أيديولوجية لا يمس بالشكل العام للنظام البرلماني ولكنه يؤدي إلى تفاوت بين الدول في تحقيق العدالة والحرية، وقد كان هذا مدعاة إلى ظهور اتجاهات مخالفة لما هو مطبق في المجتمع من أيديولوجية، لشعور أصحاب هذه الاتجاهات بأخطاء في النظام السائد أدت إلى فقد جزء كبير من العدالة والحرية فكانت الدعوة إلى إيجاد البديل.
وقد وجد البديل عدة مرات في العالم الحديث وطبق بالفعل في بعض دول العالم (النظام الشيوعي بديلاً عن النظام الرأسمالي). وهذا مؤشر على أن أنظمة الحكم الحديثة رغم ما وصلت إليه من صقل إلا أنها هي دائماً في حاجة إلى تعديل أو تبديل تبعاً لاختلاف الظروف والأحوال، وتغير النظرة لشكل الحياة المدنية.
وإذا كان هذا الشأن بالنسبة إلى الغرب فإن ما تعرضت له المجتمعات العربية (الإسلامية) من تطورات في الأنظمة السياسية كان له خصوصيته، وهذا تبعاً لخصوصية التركيبة الاجتماعية للمجتمع العربي، وأيضاً خصوصية الثقافة لهذا المجتمع ؛ فمن جهة يغلب النظام القبلي والعشائري على هذا المجتمع، ومن جهة ثانية فإن ثقافته مشبعة بالتوجهات الروحية الدينية، ذلك أن البلاد العربية موطن الأديان نزولاً وتبليغاً عبر تاريخها، وتبعاً لذلك تشكلت عقلية وثقافة هذا المجتمع إلى حد كبير وفقاً لهذين العاملين. فلم يعرف الوطن العربي تطبيقاً لأنظمة الحكم السياسية في شكلها السياسي إلا بعد الإسلام، فقد سادت قبل ذلك الأنظمة القبلية والنظم والأعراف الاجتماعية، واستمر للقبيلة دورها الفاعل في الحياة الاجتماعية والسياسية بعد الإسلام وظل كذلك إلى اليوم.
كان لهذين العاملين الدور الرئيسي في تشكيل الثقافة ورسم صورة نظام الحكم، واستمر ذلك إلى هذا الوقت رغم زيادة الاختلاط بالغير وارتفاع نسق التأثر به ، ورغم التغير الاجتماعي الذي صار يتشكل في معظم مجالاته وفقاً لما عليه أنماط الحياة في الحضارة الغربية المعاصرة.
وهكذا تشكلت الأنظمة الحكومية التقليدية وفق نظم استبدادية يكون الحكم فيها للرأسمالية من أفراد المجتمع أو رأسمالية الدولة أو حكم فئة أو طائفة أو حزب أو قبيلة وتغييب الشعب عن حكم نفسه بنفسه ، وفي كل ذلك غياب للديمقراطية بمفهومها الحقيقي( )، أي غياب الحكم الشعبي المباشر .
ثانياً : مفهوم الحريات المدنية في الرؤية الغربية ومظاهر الاستبداد فيها :
1-    في الأنظمة القديمة :-
إذ بدأنا مع اساطين الفكر الغربي القديم فإننا نجد أمامنا افلاطون الذي تأثر كثيراً لثورة أستاذه سقراط على ظلم الأثينيين واتجاهه إلى تصحيح بعض أفكارهم حول مفهوم العدالة المغلوط عندهم فكانت النتيجة الحكم عليه بالإعدام، لذلك جاءت دعوة افلاطون إلى المدينة الفاضلة ردة فعل على ذلك الواقع السياسي الظالم الذي لا يراعى حقوق الإنسان في الحرية والعدالة. بل واعتبر افلاطون أن هذا الواقع الأرضي كله مظلم ظالم، لذلك "ينبغي أن تنشأ مدينة أخرى غير تلك المدن. يوجد فيها وفي أمثالها العدالة بالحقيقة والخيرات التي هي خبرات كلها"( )، فالعدالة عند افلاطون تعني الصدق وإعطاء كل ذي حق حقه، بمعنى أن يتعامل كل إنسان بما هو مناسب له( )، وهذا هو معنى الحرية التي تكفل للإنسان حقه في التصرف وفق إرادته. ويجب على الدولة أن تراعى ذلك وتنظمه، لأنها يجب أن تملك صفات الحكم والشجاعة وضبط النفس والعدالة. والحكمة تعني العقل والعمل بأحكامه الصحيحة الذي يمثله في أثينا القديمة الفيلسوف الحكيم، والشجاعة تعني حراس الدولة من الجند ومهمتهم الدفاع، وضبط النفس يعني ضبط رغبات النفس وشهواتها، ومن هنا جاء قوله بأن الدولة المثالية هي التي تحقق القيم الثلاث المطلقة لأهلها وهذه القيم هي الحق والخير والجمال، ولن تتحقق العدالة إلا بتوفر الحكمة والشجاعة وضبط النفس ( ).
والفرد يستمد هذه المبادئ والقيم من المجتمع الذي يعيش فيه، فهو يتعلم من وسطه الاجتماعي معنى العدالة ويطبقها على نفسه وتظهر في أفعاله، فالتربية الاجتماعية تنشئ الإنسان على ما هو سائد فيها من ثقافة سياسية، وكذلك تقتضي العدالة امتلاك القوة التي توجب إقامة العدل، ومعها امتلاك الحكمة حتى يعرف أين يصرف قوته وكيف يصرفها في مجالاتها دون ظلم( )، فافلاطون يربط بين جميع العناصر التي يجب توفرها في الدولة والفرد على حد سواء حتى تتحقق العدالة. التي هي قضية جماعية.
وعلى ذلك يجب أن يحكم الفرد الفيلسوف لقدراته العقلية، ولعلمه بمعاني الحق والخير والجمال والعدالة وسعيه إلى تحقيقها، أما النظام الديمقراطي، أي دولة الشعب والتي طبقت في أثينا، فيقول أنها دولة الفقراء على حساب الأغنياء، ولكن كيف يتصرف هؤلاء الفقراء في مسائل الحكم؟ أنهم أحراراً وبموجب ذلك يفعل المرء ما يشاء، وهذا جميل من الناحية النظرية، ولكن يؤدي من الناحية العملية إلى الفوضى( )، لأن مصالح الناس ستتعارض، وأن ذلك سيؤدي إلى التصادم.
أما أرسطوطاليس فيرى أن غاية الدولة والأفراد هي الأخلاق الفاضلة، والدولة قادرة على تحقيق الأخلاق الفاضلة لأفرادها، والفضيلة الخلقية مقدمة ضرورية لتحقيق الخير والسعادة اللذان هما غايات قصوى للفرد والدولة، وفضيلة الفرد السياسية في طاعة القانون، أما الفضيلة الخلقية فهي القدرة على اختيار الوسط الفاضل من بين جملة من الفضائل الأقل درجة أو المتطرفة التي يعتبرها منحرفة فكلما بعدت الفضيلة عن الاعتدال كانت أقرب إلى التطرف، أي القرب من أحد الطرفين الإفراط أو التفريط وكلاهما انحراف( ). والحكيم هو القادر على هذا الضبط لهذا الوسط، ولذلك يجب أن تتحكم الحكمة في بقية قوى النفس( ).
والعدالة أهم الفضائل، وتتمثل في توزيع الخيرات المشتركة لأهل المدينة جميعاً، ويسميها أرسطو العدالة التوزيعية، وتكملها العدالة التصحيحية وهي القدرة على حفظ ذلك التوزيع وتأمين الخيرات الموزعة دون أن يداخله أي خلل( )، وهنا يظهر دور الدولة ووظيفتها في نشر العدالة والأمن في المجتمع.
والحكومة الفضلى عند أرسطو هي الحكومة الدستورية التي يحكمها القانون المتمثل في الدستور، فليس من حكومة صالحة إلا تلك التي يطاع فيها القانون( )، فسيادة القانون معيار صلاحية النظام السياسي، وهذا ما يوفره الدستور، ولكن لا يكون الدستور واحداً في كل أنظمة الحكم لكل الدول، فلكل دولة أوضاعها وظروفها، وبذلك اختلف أرسطو مع افلاطون الذي اعتبر الدستور واحداً للمدينة، فعند أرسطو يكون دستور المدينة أو الدولة نفسه قابلاً للتغيير تبعاً لتبدل الأحوال ووفقاً لما يحققه من خير للمجتمع( ).
ويذهب أرسطو إلى أن انعدام العدالة والفضيلة (الحرية) يؤدي إلى الثورة. وأن الثورة في النظام الديمقراطي أقل احتمالية لأنها تعني حكم الشعب، والشعب لا يثور على نفسه، أما بقية الأنظمة فإنها عرضة للثورة عليها لعدم تحقق المساواة وانعدام العدالة( )، ولتفادي قيام الثورات يحدد أرسطو جملة من الأسس التي يجب أن يراعيها نظام الحكم :-
1-    الحفاظ على القانون والتمسك بنصوصه وتدعيمه.
2-    التصرف السليم للحاكم مع زملائه والمواطنين.
3-    تحديد سقف زمني للوظائف الرئاسية.
4-    حسن توزيع الثروات في البلاد، والقضاء على الترف، ورعاية الفقراء والمحتاجين، وتحري العدالة والفضيلة، ومطابقة التربية لمبادئ الدستور( ).
يظهر مما تقدم بُعد نظر أرسطو وكأنه يضع أسساً للحياة المدنية المعاصرة، فبغض النظر على التفاصيل فإننا نجده يقترب في نظريته كثيراً من واقع الحياة السياسية لكثير من النظم المطبقة، ولعل السبب في ذلك راجع إلى واقعية تفكيره، وكأنه آت عن تجربة، بخلاف افلاطون الذي كان خيالياً تأملياً إلى حد كبير، خاصة في دعوته إلى جمهوريته المثالية.
وإذا وقفنا على ما كان سائداً بالفعل من أنظمة للحكم في العصور القديمة، فإننا نجدها متمثلة في الحكومة الارستقراطية، الحكومة الملكية، الحكومة الديمقراطية، والحكومة الدستورية، ويتفق أرسطو مع افلاطون على تحديد هذه الأنواع من الحكومات في ذلك العصر( )، وقد علمنا فيما سبق ما يؤثره كل منهما في ذلك، ويوضح لنا عرض أرسطو لكثير من أنواع الدساتير التي كانت سائدة بأن معظم تلك الدول كانت دستورية.
إلا أن ما اشتهرت به أثينا من تطبيق للنظام الديمقراطي على طريقة حكم الشعب في القرن الخامس قبل الميلاد كان له طابعه الخاص، فقد كانت مدينة أثينا متفوقة على غيرها من المدن اليونانية وخاصة عدوتها الأولى مدينة اسبرطة، وقد أقتصر مفهوم المشاركة السياسية على المواطنين الأثينيين، وحق المواطنة يكون مقتصراً على بعض أفراد المجتمع ممن كان حراً وسياسياً، وهذا يعني تغييب جزء كبير من أفراد المجتمع عن القرار السياسي. وأهم ما يميز هذا النظام خضوعه للقانون الذي هو أساس الخير المدني المشترك( )، فالقانون أساساً في الأنظمة السياسية اليونانية القديمة لأنه رمز سيادة الدولة وأساس قيامها بمهامها، واستقرار النظام فيها، فهو أساس الحياة المدنية بشكلها العام.
2-    في الأنظمة الإقطاعية والرأسمالية :-
وبتتبع التطورات السياسية وفقاً للرؤية الغربية التي كانت فاعلة في ظهور أنظمة توفر أسباب الحياة المدنية، نجد أنفسنا مع العصر الحديث في أوربا، وهذا يعني أننا أمام أنظمة الحكم الحديثة التي تدعى أنها توفر أفضل الأنظمة والسياسات التي تكفل أسباب الحياة المدنية المعاصرة، وسأكتفي بعرض أهمها والتي كان لها نصيباً في التطبيق العملي على ساحة الحياة السياسية في أنظمة الحكم الحديثة والمعاصرة، والمتمثلة في أنظمة الحكم الدستورية وفقاً للنظام البرلماني، مع بيان أثرها على مظاهر الحياة المدنية وحرية الإنسان في العالم الغربي.
تأتي النظريات السياسية لمفكري العقد الاجتماعي في مقدمة النظريات السياسية التي لها أثرها على شكل أنظمة الحكم البرلماني المطبقة، وبموجب العقد يتم عند هوبز (1588-1679) تنازل الأفراد لشخص واحد وهو الحاكم، ويكون ذلك عن قبول منهم ولمرة واحدة.
وعند لوك (1632-1704) يكون التنازل من الفرد للأغلبية، أو من الأغلبية للمجتمع ككل، ويكون هذا التنازل في الحالين عن طريق حرية، واختيار وهدفه تطبيق القوانين وإحلال الأمن والسلام، ويترتب على هذا العقد التزامات متبادلة بين الحاكم والمحكومين. والحاكم غير المتقيد بالقانون يكون خطراً على حياة الناس بسبب الخلل في شرط الحفاظ على هذه الحقوق، وعند حدوث ذلك يتحول النظام إلى الحكم المطلق والاستبداد ( ).
يرفض جون لوك الحكم الملكي الوراثي وكل نظام حكم يعطي الملك الحق المقدس في الترف، فلا شيء أسمه الحق الإلهي في الحكم، فالناس جميعاً متساوون وهذا قانون طبيعي، ويذهب لوك إلى أن الحكومة البرلمانية هي أفضل أنواع الحكم لأن السلطة تكون فيها للشعب فهو المؤسس الحقيقي للديمقراطية النيابية، فالأفراد بمجرد دخولهم في المجتمع المدني يخضعون للقوانين الوضعية وينشأ بناء على هذا ما يسمى بالسلطة التشريعية، كما يقدمون المساعدة للسلطة التنفيذية وفقاً لما تقتضيه القوانين الوضعية( ). وبذلك تكون السلطات التشريعية والتنفيذية خادمة للإنسان الفرد في مجال القانون وتنفيذه.
وقد تأسست الحياة المدنية الأوربية وفقاً لهذا الاتجاه البرلماني في النظام السياسي الذي رافقه دخول أوربا في النظام الرأسمالي اقتصادياً، والذي تطور مؤدياً إلى ظهور رؤوس الأموال الكبيرة متمثلة في الشركات الضخمة ومتعددة الجنسيات، والتي صارت تتحكم وتتدخل في المسائل السياسية بما تكسبه من نفوذ لدى صاحب القرار. وصارت تتشكل الحياة المدنية وفقاً لمصلحتها وبدرجة كبيرة.
وهكذا دخلت أوربا عصر الحداثة في إطار نظم برلمانية يسفر فيها الصراع السياسي إلى "فوز مرشح ما بنسبة 51% مثلاً من مجموع أصوات الناخبين تكون نتيجته أدة حكم دكتاتورية، ولكن في ثوب ديمقراطي مزيف حيث أن 49% من الناخبين تحكمهم أداة حكم لم ينتخبوها، بل فرضت عليهم وتلك هي الدكتاتورية"( )، ومن جهة أخرى سادت التوجهات النفعية بفعل النظام الرأسمالي، وكثيراً ما يطبق فيها مبدأ الغاية تبرر الوسيلة الذي دعا إليه ميكافيلي (1469-1527) مما أدى إلى فصل الأخلاق عن السياسة فصلاً يكاد يكون كاملاً، فلحق هذا بما سبقه من فصل للدين عن الدولة، وبذلك رفعت القدسية عن المجال السياسي وصار مجالاً دنيوياً( )، بل ونفعياً، وساد الاتجاه العلماني الذي يتجه إلى إتباع مناهج العلم والأخذ بأساليبه في حل مشاكل الإنسان، وكأن القداسة صارت للعقل وليس في كل مجالاته وإنما فقط في العلم المادي التجريبي.
وكان من نتيجة التقدم العلمي الواسع الذي صارت عليه أوربا أن أيد ذلك سياسة ألا أخلاق في التعامل مع الآخر، فاتحدت بذلك سياسة القوة (نيتشه) مع مبدأ ألا أخلاق في السياسة (ميكافلي)، لتكون النتيجة التحرك سعياً وراء المصلحة والمنفعة للدول ذات الشأن.
فالحياة المدنية الأوربية شهدت تحولات في كافة مجالات الحياة الإنسانية وتشهد ذلك باستمرار. فقد حول المجتمع الأوربي الموارد إلى رؤوس أموال، ويطبق باستمرار مبدأ زيادة إنتاجية العمل تبعاً لمتطلبات الحركة الصناعية والتجارية الهائلة، وإنشاء سلطات سياسية مركزية وهويات قومية، ونشر حقوق المشاركة السياسية وأشكال العيش المدني والتعليم العام والخاص، وعلمنة القيم والمعايير( ). ليتشكل من ذلك كله مفهوم الحداثة المعبرة عن الحياة المدنية الأوروبية المعاصرة.
أدى ذلك إلى تنوع الحياة المدنية الأوربية المعاصرة وتشكل معالمها في تيارات واتجاهات أيديولوجية وفكرية وفلسفية وظهور نزعات واتجاهات أيديولوجية وفكرية وفلسفية وأخرى قومية واستعمارية بما يلبي هذه التوجهات ويحقق المصالح والمنافع، فإذا جاءت الحياة المدنية للحفاظ على تطبيق القانون والعدالة، فإن ذلك إنما يخص مجتمعها الداخلي، بل وفئة الأقوياء الأغنياء فيه.
إن أهم ما يجب توفيره من حياة مدنية للإنسان هو حقوقه التي كفلها له القانون. ومن أهمها الاستقرار والحرية المنظمة، ولكن هذا فقد منه جزء كبير أثناء التطبيق الواقعي للأفكار والنظريات، وخاصة مع الإنسان الآخر من غير الشعوب الغربية.
وإذا انتقلنا إلى الوليات المتحدة الأمريكية التي لا تختلف في نظامها السياسي عن النظام الأوروبي في صورته العامة ، إلا أن مايميز النظام الفكري ومن ورائه النظام الاقتصادي والاتجاه الثقافي فيها، أنها تذهب بعيداً في تكريس مذهب المنفعة والحريات الخاصة، والاتجاه إلى المستقبل وعدم الالتفات إلى الماضي إلا باعتباره ذكريات.
إنه المذهب الرباجماتي المتجه إلى العمل والتطبيق وأن مقياس صحة كل فكرة نجاحها في المجال التطبيقي الواقعي، فالوصول إلى حلول للمشكلات النظرية لا يتم عن طريق تحليلها تحليلاً جدلياً، أو عن طريق وضع فروض قبلية مستقلة عن التجربة، بل يكون بمتابعة آثارها العملية في مجال التطبيق( ). والمقصود بالآثار العملية ما يعود به تطبيق الفكرة من منفعة على صاحبها، فإذا لم تتحقق منفعة أو ربحاً على المعنيين بها فهي خاطئة.
فالفكرة في المذهب البراجماتي (الذي يأخذ به الاتجاه السائد في الولايات المتحدة الأمريكية) تمثل مشروع عمل، والواقع العملي دليل نجاح أو فشل ذلك المشروع، فكما أن التجربة دليل إثبات أو فشل الفرض العلمي، فكذلك الحال في الأفكار عند البراجماتية، وترتب على هذا التوجه في المنهج أن لم يعد للعادات الراسخة والأفكار المسبقة والأنظمة المغلقة والأشكال المطلقة مكان إلا بقدر نجاحها في المحك العملي، فتصير بذلك متجددة، أنه الاتجاه نحو المستقبل الذي يحدد مصير ما نطرحه الآن من أفكار ( )، ومذهب المنفعة يستدعي هذا التوجه إلى المستقبل، فما كان عليه الحال لا يهم لأنه لن يعود، أما ما سيكون عليه في المستقبل هو الذي يجب أن نخطط له، والعمل مقياس نجاح أفكارنا، يقول وليم جيمس : "لنا الآن أن نقرر بثقة ويقين أن الرغبة في تحديد المستقبل وفي تعيينه يكون عنصراً مهماً من عناصر الميول الفلسفية، وأن كل فلسفة تتجاهل إشباع تلك الرغبة ولا تعمل على ذلك لا يمكن أن تحوز قبولاً عاماً"( )، ولكن هل أنه لا معنى للزمن الحاضر والماضي نهائياً ؟ يذهب البراجماتية إلى أننا نعيش في اللحظة الراهنة ونعد للمستقبل، فالحاضر لأجل المستقبل، ويجب الإفادة من الحاضر بتهذيبه وتحسينه باستمرار لأجل المستقبل، وكل ذلك مع استبعاد الماضي( ).
فكل الطاقات موجهة للمستقبل، ولذلك تجد العمل مكثف وكل الجهود تبذل تحسباً للمستقبل، وأن ما يترتب على هكذا توجه أن في هذا خدمة للحاضر أيضاً، فما يصل إليه الإنسان من نتائج في عمله تعود عليه في زمانه، هذا إذا اعتبرنا زمانه حاضراً، ولكن ما يعود عليه بالفعل يكون في المستقبل وإن كان قريباً، أنه اندفاع إلى الأمام دائماً وكأن الإنسان يغالب الزمن ويعيش أبداً، أو يفعل للأجيال القادمة.
ولكن إذا الحاضر لأجل المستقبل والفكر ما هو إلا أداة من أجل العمل وأن الماضي لا مكان له، فإن هذا معناه محو للذاكرة وإلغاء الرصيد الثقافي والفكري الذي هو أساس التفكير والتخطيط، فالفكرة لا تكون وليدة اللحظة وإنما نتيجة تراكم خبرات ومعارف وتجارب سابقة، ولكن عند البراجماتية الأمر مختلف فلا يبدأ الإنسان في التفكير إلا حين يصطدم بصعوبات مادية يكون واجباً عليه التغلب عليها، وبالتالي فالأفكار أدوات ووسائل، (المذهب الذرائعي) ( ).
وعلى ذلك فإن الاعتقاد بالحرية يكون مصدر قوة واقدام، فما عليه الفرد أو الأفراد من حرية حاضرة يكون حافزاً مهماً لهم على العمل والاتجاه نحو المستقبل وبشكل كامل ودائم، فكأنه يريد الأفضل والأكمل دائماً. وهذا معنى الحداثة بالمفهوم الغربي الذي يتجه في مجمله إلى قطع الصلة بالماضي ومعاداة الموروث القديم والاتجاه فقط إلى تنظيم الحياة وفق الحاضر والمستقبل، وهذا جوهر الفكر البرجماتي، وواقع ما هو مطبق في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا صميم ما تدعو إليه أفكار العولمة وإن كان بأسلوب فيه كثير من المجازية والتحايلات.
إن من أهم ما يترتب على اتجاه كهذا أن يصير الإنسان آلة مفكرة فقط، فلا عواطف ولا قيم ولا أخلاقيات إلا التي تحث على العمل وباستمرار، ولذلك كانت الأمراض المترتبة على هذا التوجه، فانتشرت الأمراض النفسية لضغط العمل من جهة ولعدم الثقة في اللحظة الراهنة وتحويلها إلى زمن مستقبلي دائماً، وأنه الخوف الدائم على المصير، المصير الفردي والمصير العام، ولهذا نجد الولايات المتحدة تعمل دائماً على السيطرة على الصعيد العالمي بحجة تأمين الأمن القومي، وتسعى إلى كسب أكبر قدر من ثروات العالم بهدف تأمين مستقبلها.
شهدت أوروبا وأمريكا وتشهد باستمرار الحروب مع نفسها متمثلة في الحربين العالميتين، ومع بقية دول العالم وبشكل مستمر، وتمتلك الأسلحة الفتاكة لتوفير القوة اللازمة لتنفيذ مثل هذه السياسات والتوجهات، وكذلك تمتلك الأجهزة الأمنية القوية والممتد عملها إلى كل بقاع الأرض، كل ذلك لخدمة هذه التوجهات، فما مصير الإنسان المدني وما مصير المدنية والحرية في مثل هذا النظام؟  تجيبنا البراجماتية باختصار أن كل هذا من أجل المستقبل.
ظهرت تيارات فلسفية مضادة لهذا التوجه هدفها التخفيف من عبأ العمل والتنفيس على الإنسان من عناءه المستمر بفعل الحروب والتوترات المستمرة ، وكان في مقدمة هذه الفلسفات الفلسفية الوجودية.
وتشترك الوجودية مع البراجماتية في رفض المجرد والكلي في غير المادي، وتنفرد في اتجاهها إلى التعامل النفسي العاطفي مع الواقع من حيث الفعل والانفعال( )، فردة الفعل وما يترتب عليه من حالات نفسية نتيجة التعامل مع الواقع والتفاعل معه هو ما تركز عليه الوجودية متجهة إلى حل مشاكل الإنسان في الحياة، وقد جاءت فلسفة الوجوديين على شكل أعمال روائية تعبر عن مأساة يومية نتيجة الإحساس بالذنب، ولذلك كانت العدمية مصير الفكر الوجودي خاصة وأنه لا يؤمن بأي إله أو قيم أو مثل عليا ( ).
وفي سبيل الوصول إلى حل المشاكل الإنسانية الحياتية مثل مشكلة القلق واليأس اتجهت إلى تكريس الحرية الفردية الشخصية ( )، فهي دعوة إلى الانحلال الخلقي والإباحية وأن يكون كل فعل للفعل ذاته فصار العمل للعمل والفن للفن والشهوة للشهوة، فلا أخلاق ولا قيم، ففتح باب تحقيق الشهوات والملذات على مصرعيه مما كان مدعاة لنشر الانحلال وتفكك المجتمع.
هذه جملة مكونات العقل الأوروبي، والتي لها فعلها الواقعي في الحياة السياسية والعقلية والاجتماعية بشكل واضح، وإذا كان هذا العقل قد تقدم بشكل كبير في مجال العلم والتقنية إلا أن ذلك جاء في كثير من الأحيان على حساب قيم ومثل ومشاعر الإنسان التي تميزه عن بقية مخلوقات الله.
وبذلك يتشكل مفهوم الحداثة عند الغرب وفقاً لهذا الواقع وتشكل تبعاً له علاقة الإنسان بذاته وبالعالم والزمن( )، وهو في هذا كله يتعارض مع النظرة التقليدية التي تضيف إلى ذلك ما تحذفه الحداثة الغربية من قيم ومثل عليا وأخلاق تضبط سلوك الفرد.
3-    في النظام الشيوعي :-
يتفق معظم الباحثين السياسيين على أن الأصل في منشأ النظام الشيوعي جاء كردة فعل على النظام الإقطاعي وما تطور إليه من نظام رأسمالي مطبق في المجتمعات الغربية الحديثة، وتتأسس النظرية الشيوعية على فكرة الجدل (الديالكتيك) التي نجد أصولها الواضحة والمباشرة خاصة عند هيجل وفلاسفة الجدل المحدثين في ألمانيا، وإذا كان تركز اتجاه هؤلاء على تطبيق الجدل على عالم الأفكار، إلا أن اتجاه مفكري الشيوعية مان مركزاً في تطبيق هذا المنهج على الواقع الاجتماعي من خلال تفسير حركة المجتمع وفقاً له.
ذهب هيجل إلى تفسير الحرية على أنها شعور واعي بالحياة يكمل بتحقيق المعاني الكلية فيها فلا تقف غاية الإنسان عند نوع الحرية التي يجب أن تتحقق في الدولة وإنما تتجاوزها إلى تحقيق الماهية لهذه الروح وهي الحرية التي يجدها الإنسان في نفسه من خلال ما يصل إليه من تحقق المعاني الكلية للجمال والله والحقيقة، لينشأ عن ذلك الوعي بالذات في أكمل أحواله ويظهر ذلك في صورة الفن والدين، فالحرية مكفولة لكل إنسان استطاع أن يحقق ذاته (الأنا) من خلال الوعي بها.
وتتأسس فلسفة هيجل على مفهوم جدلي خاص يعني صراع الأضداد وما يتولد عنه من نتاج جديد يكون وليداً لهذا الجدل أو الصراع( )، وتفسر كل العمليات المعرفية والكونية وفقاً لهذه الفكرة، وجاء كارل ماركس ليقتبس منهج الجدل من أبناء بلده وينقل مجال تطبيقه من عالم الفكر إلى عالم الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما سنتعرف عليه في الصفحات القادمة.
اتجه فلاسفة الماركسية إلى تفسير واقع الحياة وطبيعتها في النظام الرأسمالي وفقاً لهذا المنهج الجدلي، حيث أن ما ترتب على تطبيق النظام الرأسمالي سيطرة أصحاب رؤوس الأموال على القرار في الدولة وبذلك فهم وحدهم يمتلكون حق اتخاذ القرار وممارسة السلطة على حساب الفقراء والإجراء، الأمر الذي يولد صراعاً بين هذه الطبقة الرأسمالية المتحكمة في الفقراء والطبقة العاملة التي تمثل غالبية المجتمع المحرومة من هذا الحق، وتكون نتيجة هذا الصراع ثورة الطبقة العمالية على الطبقة الرأسمالية وغلبتها عليها وتوليها أمور نفسها عندها تتحقق الاشتراكية الشيوعية وتكون الملكية عامة شائعة في المجتمع لكل فرد نصيبه فيها فتتحقق العدالة ويزول التحكم وتتحقق الحرية، ولتقتصر مهمة الدولة فقط على امتلاك وسائل الإنتاج ( )، ولتكون بذلك بديلاً عن الرأسمالية، الأمر الذي يعني رأسمالية الدولة.
نحن إذن أمام ركنين هامين في هذه النظرية، الأول : الاشتراكية بالمفهوم الشيوعي، والثاني : من يتولى الشئون العليا في الدولة.
الاشتراكية الماركسية :
ترجع أصول الاشتراكية إلى العصور القديمة، فقد دعا افلاطون إلى إلغاء الملكية وإشاعتها بين المواطنين في الدولة، وتوالت الدعوة إلى الاشتراكية بمعنى المساواة والعدالة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، ودعا الإيطالي (كامنيلا) في القرن التاسع الميلادي إلى مجتمع تتولى فيه الدولة الإشراف على الإنتاج وتوزيعه وإلزام أفراد المجتمع بالعمل الإنتاجي، وفي القرن التاسع عشر دعا الانجليزي روبرت أوين إلى إيجاد شكل من التعاون الذي يضع حداً للمنافسة يعالج مسألة الفقر الناجمة عن الإقطاع منادياً بإلغاء الملكية الخاصة وقيام نظام التعاونيات كأداة لتحقيق الاشتراكية، وفي نفس الفترة ذهب الفرنسي سان سيمون إلى اقتراح نظام اجتماعي تكون السيادة فيه للمنتجين على شكل مشاركة في إنتاج المؤسسة التي يديرونها ( )، وقد سار لويس بلان بأفكاره قريباً من أفكار سيمون حيث دعا إلى تنظيم العمل وطلب من الحكومة أن تؤسس مصانع اشتراكية يطبق فيها النظام الاشتراكي.
وقد أدت هذه الأفكار ومثيلاتها إلى زيادة وعي العمال بواقعهم فلاقت استحساناً لديهم وكانت وراء تظاهراتهم في سنة 1848 الرافضة للإقطاع والتحكم الرأسمالي( )، ومثل هذه الأفكار والانتفاضات الغاضبة المعارضة للواقع الظالم نراها تتكرر في المجتمع الرأسمالي معبرة عن المطالب في التغيير إلى الأفضل.
وأتي كارل ماركس ليجد أمامه نظاماً رأسمالياً متحكماً ورفضاً شعبياً عمالياً واسعاً للعلاقات الظالمة التي يكرسها هذا النظام، فاتجه من خلال كتاباته إلى إظهار مواضع الخلل في الرأسمالية وضمنها رؤيته للعلاقة بين الطبقات الاجتماعية والتغير الاجتماعي الحاصل جراء هذه العلاقة وفقاً للمنهج الجدلي، أكد ماركس على أن هذا التصادم بين الطبقات الاجتماعية يؤدي حتماً إلى التغيير، وأن هذه عملية طبيعية علينا فقط الوعي بها ( )، وضع ماركس نظريته الاقتصادية والاجتماعية وتنبأ بقدوم البديل عن الرأسمالية والمتمثل في الشيوعية، فحتماً سيكون مصير الرأسمالية إلى الزوال بفعل ثورة العمال والفقراء عليها( )، وهذا نتاج حتمي لحالة الصراع القائم بين الطبقات الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي.
يسلم الماركسيون بهذه الحتمية التاريخية ويؤسسون عليها نظريتهم في قيام الشيوعية كنتاج لهذا الجدل، فالشأن في القوانين التي تحكم العلاقات بين الظواهر الطبيعية وأهمها قانون الحتمية في العلاقات العليّة في الكون هو ما يحدث في نظرية الماركسيين بخصوص القوانين التي تحكم العلاقات الاجتماعية( )، فالناس لا يمكنهم تعديل القوانين الاجتماعية الموجودة أصلاً في المجتمع والمحركة له، ولكن عليهم فقط اكتشافها تماماً كما تكتشف القوانين الطبيعية، وعند اكتشافهم لها يسخرونها لخدمة الحرية متبعين في ذلك أفضل الطرق والمناهج المحققة لهذا الغرض( )، وتعني الحرية إشاعة الموارد والدخل على كل أفراد المجتمع فيرتفع التحكم الطبقي أو الفردي، فالعامل الاقتصادي أساس الوعي الاجتماعي والمحرك للمجتمع في كافة مجالاته السياسية والفكرية والدينية( ). فالتفاعلات الاقتصادية هي الموجهة للمجتمع والمحددة لمساراته.
وبناءً على ذلك فالناس ليسو أحراراً في اختيار شكل المجتمع الذي يعيشون فيه والنوع وشكل الحياة المدنية في عصرهم، وعلى الفرد والمجتمع الوعي بذلك وفهمه والعمل بمقتضاه، فأفكارنا نتاج اكتشافنا وفهمنا لواقعنا والظروف المستقلة عنّا، وهذه الظروف وذلك الواقع نتاج الجدل الحاصل في الماضي وما يحصل من جدل بينها في الحاضر أساس المستقبل ( )، ولكن مثل هذا التوجه لا يترك مجالاً للفعل الإنساني في زمانه فكل شيء يسير وفق نظام الضرورة والحتمية.
فما مكان الثورة التي يدعو النظام الماركسي العمال للقيام بها ضد الرأسمالية؟ إن الثورة هي نتاج الصراع ونتاجاً للواقع وليس محركاً أولياً( )، فالإحساس بالظلم والشعور بالاستبداد بفعل حياة الاغتراب في المجتمع الرأسمالي تؤدي إلى الثورة وقيام المجتمع الشيوعي.
الدولة الشيوعية :
هدف الفرد والمجتمع الحرية السياسية والاقتصادية، والتي يمتلكها في المجتمع الإقطاعي والرأسمالي الإقطاعيون والرأسماليون، وتؤدي ثورة الطبقات الفقيره إلى تغيير هذا الواقع لتصير الدولة شأناً اجتماعياً لكل الشعب ويظهر في أرقى صوره في المجتمع الشيوعي الذي تتحقق فيه حرية الإنسان الحقيقي على رأي الماركسيين، فالشيوعية تمثل لقاءً ناجحاً بين الإنسان والطبيعة( )، فالطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة وكذلك الظواهر والعلاقات الاجتماعية وعلى الإنسان النظر والبحث لاكتشاف هذه القوانين والعمل وفقاً لها وعندها يتحقق الوعي الإنساني( )، وهذا خلاف ما يذهب إليه هيجل وغيره من المفكرين العقليين الذين يجعلون من الأفكار أساساً لصنع الواقع.
ويتضمن المجتمع الرأسمالي تناقضات من طبيعة هذا المجتمع كالتناقض بين مدنه وأريافه والتناقض بين الإنتاج والاستهلاك( )، وأكثر التناقضات في المجتمع الرأسمالي وأهمها تلك الصيغة الاجتماعية للإنتاج والصفة الخاصة للملكية( )، وإلغاء مثل هذه التناقضات مقدمة للاشتراكية (الشيوعية)، ويعوّل ماركس على هذه التناقضات في المجتمع الرأسمالي لأحداث التحول من الدولة الرأسمالية إلى الدولة الشيوعية، ذلك أن العمال (البروليتاريا) تقضى على نقيضها وهي الرأسمالية، وتقدم بديلاً ثورياً يتمثل في امتلاكها هي ذاتها للسلطة( )، وفي ذلك تحقيق للحرية في المجتمع بفعل ما يصير إليه من امتلاك مشرك للإنتاج وعوائده.
تعرضت النظرية الشيوعية للنقد المتواصل، ويكفي أن نذكر منها ذلك النقد الشائع بأنها تمثل هدفاً مثالياً غير ممكن التحقق وحتى إذا تحققت فلا وجود لضمان عدم انقلاب قادة هذا المجتمع على الشيوعية أو أن تستأثر بأكثر عوائد الإنتاج تحت ستار الدولة والحكومة والحاجات العامة للمجتمع، فوجود هؤلاء الحكام في النظام الشيوعي يجعلهم يتحكمون في وسائل الإنتاج وفي هذا استبدال للرأسمالية الفردية برأسمالية الدولة.
ويترتب على النظام الشيوعي إذابة القدرات الفردية داخل المنظومة الكلية للمجتمع، الأمر الذي يثبط الهمم ويقتل الطموحات الخاصة التي هي أساس العمل والتجديد والعزيمة، وأيضاً إذا كان ليس للإنسان دخل في تغيير واقعه وما هو إلا مستجيب للحتمية التاريخية فما قيمة وعيه وعقله وكونه إنساناً، إذ أنه لا يزيد وفق تصور ماركس على كونه كائناً جامداً ومادة من مواد الكون تحركها قوة خارجية هي الحتمية التاريخية.
 
الخاتمة :
على الرغم من مساوئ النظام الفردي الرأسمالي إلا أنه كان أكثر دفعاً وتحفيزاً للإنسان على العمل وثبات الذات، وفي كل الأحوال "إن كافة الأنظمة السياسية في العالم الآن هي نتيجة صراع أدوات الحكم على السلطة صراعاً سليماً أو مسلحاً كصراع الطبقات أو الطوائف أو القبائل أو الأحزاب أو الأفراد، ونتيجته دائماً فوز أداة حكم فرد أو جماعة أو حزب أو طبقة وهزيمة الشعب أي هزيمة الديمقراطية الحقيقة" ( )، فالعاقل يدرك أن الحاجة صارت ملحة للأخذ بالبديل الأفضل الذي يلغي تسلط رأسمالية الأفراد ورأسمالية الدولة على الشعب الرافض لهما الثائر عليهما والمقيم للديمقراطية الشعبية المباشرة بحكم الشعب لنفسه بنفسه، وهذا موضوع يحتاج إلى بحث مستقل.

التوصيات :-
1-    العمل على كشف مساوئ الأنظمة النيابية التقليدية.
2-    الحث والتحريض المستمر للجماهير على حكم نفسها بنفسها وقيام السلطة الشعبية.
3-    تحسين الأدوات والأساليب المحققة لأفضل الطرق في حكم الشعب لنفسه بنفسه.

 
المصادر والمراجع :
1-    أحمد فؤاد رسلان، نظرية الصراع الدولي، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م.
2-    أرسطوطاليس، الأخلاق، ترجمة: أحمد لطفي السيد، مطبعة المكتبة المصرية، القاهرة، 1924.
3-    أرسطوطاليس، السياسة، ترجمة: أحمد لطفي السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط2، 1979.
4-    افانا سييف، أصول الماركسية، ترجمة: حمدي عبدالجواد، القاهرة، دار النشر والثقافة، 1975.
5-    افلاطون، الجمهورية، ترجمة: أبو بكر التلوع، منشورات جامعة الجبل الغربي، ليبيا، 1997م.
6-    افلاطون، الجمهورية، ترجمة: حنا خباز، دار القلم، بيروت، (د.ت).
7-    افلاطون، الجمهورية، ترجمة : فؤاد زكريا، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1983.
8-    افلاطون، الخطابة، تحقيق : عبدالله السليمي، منشورات الجامعة الليبية، بنغازي، 1992م.
9-    أميره حلمي مطر، الفلسفة عند اليونان، دار النهضة العربية، القاهرة، ط2، 1977م.
10-    برتراندراسل، الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ترجمة: فؤاد زكريا، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1983م.
11-    بوخنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة: عزت قرني، المجلس الوطني للثقافة الكويت، 1992م.
12-    جان جاك شفافلييه، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة : محمد عرب صاصيلا، ط4، بيروت : المؤسسة الجامعية للنشر، 1998م.
13-    جماعة من الأساتذة السوفيات، موجز تاريخ الفلسفة، ترجمة: توفيق سلوم، دار الفارابي، بيروت، 1989م.
14-    جميل صليبا ، المعجم الفلسفي ، ج1 ، دار الكتاب اللبناني ، ومكتبة المدرسة ، بيروت ، 1982م .
15-    جون ديوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ترجمة : محمد لبيب النجحي، مؤسسة الخانجي، القاهرة، 1963م.
16-    حورية توفيق مجاهد، تطور الفكر السياسي من افلاطون إلى محمد عبده، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1992م.
17-    د.هـ. كول، تطور الفكر الاشتراكي، ترجمة: منير بعلبكي، بيروت، دار العلم للملايين، 1978.
18-    عبدالرحمن بدوي، افلاطون في الإسلام، نصوص محققة، دار الأندلس، ط2.
19-    علي عبدالمعطي محمد، الفكر السياسي الغربي، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 2000م.
20-    فرنسيس وولف، أرسطو والسياسة، ترجمة: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية، بيروت، 1994م.
21-    فريال حسن خليفة، المجتمع المدني عند توماس هوبز وجون لوك، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2005م.
22-    لينين، مختارات لينين، ت عربية، موسكو : دار التقدم.
23-    ماركس – انجلز، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة : جورج طرابيشي، ج1، ط2، بيروت : دار دمشق، 1966م.
24-    ماركس – انجلز، العائلة المقدسة، ترجمة : حنّا عبود، بيروت: دار دمشق، (د.ت).
25-    ماركس، بؤس الفلسفة، ترجمة: اندريه بازجي، بيروت : دار النهضة العربية، مكتبة الحياة السورية، 1979م.
26-    ماركس، العمل المأجور ورأس المال، ج1، ترجمة عربية، موسكو : دار التقدم، 1986.
27-    محمد سبيلا، التحولات الفكرية الكبرى للحداثة، مجلة فكر ونقد، الدار البيضاء، المغرب، العدد 18، 5 .
28-    محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، الدار البيضاء : دار توبقال، 2000م.
29-    محمود زيدان، وليم جيمس، دار الوفاء، الإسكندرية، 2005م.
30-    معمر القذافي، الكتاب الأخضر، الفصل الأول، ط26، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، 1999.
31-    موريس كونفورت، مدخل إلى المادية الجدلية، ترجمة : محمد مستجير مصطفى، القاهرة، دار الغزالي، ط2، 1980.
32-    نبيل اسكندر، علم اجتماع المعرفة، ج2، الاسكندرية : دار المعرفة الجامعية، 1991م.
33-    نيكتين، أسس الاقتصاد السياسي، ترجمة : الياس شاهين، موسكو، دار التقدم، 1984.
34-    هيجل، فلسفة الحق، ترجمة : أمام عبدالفتاح إمام، القاهرة، (د.ت).
35-    وليم جيمس، إرادة الاعتقاد، ج2، ترجمة: محمود حب الله، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1949م.
36-    وليم جيمس، البراجماتية، ترجمة: محمد علي العريان، دار النهضة العربية، القاهرة، 1965م.
37-    يورغن هابرمارس، القول الفلسفي في الحداثة، ترجمة: فاطمة الجيوشي، وزارة الثقافة : دمشق سوريا، 1995م.

مواضيع مشابهة:

  • إشكالية الثروة والرؤية الجماهيرية
  • التناقضات في الفكر الليبرالي وآثارها السلبية على الحرية
  • الديمقراطية ( سلطة الشعب )
  • اداة الحكم
  • الطبقة
  •  

      استطلاع الرأي العام  
     

    هل تتوقع قيام حرب جديدة على :

    ايران
    سوريا
    غزة
    لبنان

     
     
      دخول الاعضاء  
     

    الأسم‎:
    كلمة المرور:
     
     
     
      من قتل عرفات  
       
     
      الاحصائيات  
     

    المقالات:
      هذه الساعه: 0
      اليوم: 0
      هذا الشهر: 5
      الاجمالي: 344


    الاعضاء:
      المسجلين اليوم :2
      هذه الساعه:0
      هذا الشهر:5
      الاجمالي:103
      الموقوفين:0


    اليوم: 313
    امس: 1141
    الاجمالي: 610506

     
     
      مواقع صديقة  
     

    » موقع اسراطين
    » حركة اللجان الثورية - الجماهيرية الليبية
    » حركة اللجان الثورية الارترية
    » حركة اللجان الثورية الموريتانية
    » القذافي يتحدث
    » مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية
    » المركز العالمي لدراسات الكاتب الاخضر
    » اوربت للتصميم وخدمات الانترنت

     
     الرئيسية  | تسجيل عضوية | خارطة الموقع | اتصل بنا

    كافة الحقوق محفوظة - حركة اللجان الثورية الفلسطينية 2009

    اوربت للتصميم