من أوراق مؤتمر الحركة :نحو حل جذري وشامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي
3-
"حق العودة بعيون إسرائيل"
د. غانم مزعل
قضية "حق العودة" قضية جوهرية ومعقدة وتعتبر من أكثر القضايا تعقيداً في الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني وذلك يعود لوجود هوة واسعة بين الطرفين بالنسبة إلى تسويتها، فكل طرف من أطراف الصراع يتحصن في موقعه وغير مستعد للتنازل مقارنة مع القضايا الأخرى.
في المجتمع الإسرائيلي لا يوجد اتفاق أو إجماع على كيفية التعامل مع هذه القضية، فهناك مواقف وأفكار مختلفة في كيفية التعامل مع هذا الموضوع بالرغم من كونه يقف في الصدارة.
فهناك من يرى أنه يجب ترك هذه القضية للمرحلة الأخيرة من مراحل حل الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني لأنها الأكثر تعقيداً، وإذ ما بدأنا بها فسوف ينفجر كل شيء، لذا يجب البدء بالقضايا التي من الممكن التوصل إلى حلها. وفي المقابل توجد وجهة نظر معاكسة، تقول: بما أن هذه القضية هي الأكثر صعوبة، فيجب البدء بها، ومن ثم التّوجه إلى القضايا الأخرى الأقل صعوبة لأنها إذا ما تركت للنهاية فسوف تؤدي إلى تفجر ما توصلنا إليه.
إن الرأي السائد بين الأوساط الإسرائيلية هو أنه إذا تحقق "حق العودة" فإن دولة إسرائيل ستفقد أهم ميزة لها وهي كونها "دولة يهودية ديمقراطية". لذلك يجب عدم الاعتراف بحق العودة، وعدم السماح لهذه الفكرة أن تتحقق. لذلك يجب أن يكون حل أحادي الجانب من قبل إسرائيل بحيث يفرض حل من جانب إسرائيل تكون في صلبه "القضية الأمنية" مقابل هذا هناك الموقف الفلسطيني القائل: إنه لا يحق لأي كان عدا الشعب الفلسطيني التنازل عن حق العودة. فمقابل قضية "حق العودة" –وهي قضية معقدة الحلول- فإن معظم سكان إسرائيل يتفقون على إمكانة إيجاد حل لقضية حدود الدول الفلسطينية أي قضية حدود عام 1967.
إن غالبية الشعب الإسرائيلي تعتقد أنها لا توجد جرأة عند الزعامة الفلسطينية وعند المثقفين الفلسطينيين للوقوف أمام الشعب الفلسطيني وقول الحقيقة الصعبة، أنه في ظل الظروف الحالية وفي هذا الوقت من غير الممكن تحقيق حق العودة الذي وُعِدَ به الشعب الفلسطيني منذ العام 1948.
إن المعطيات الديمقراطية تشير إلى نسبة الولادة المرتفعة جداً عند الفلسطينيين مقابل نسبة الولادة المنخفضة جداً عند أغلبية الطوائف اليهودية، فهي تثير الخوف والقلق عند الإسرائيليين، وهذا الأمر مشترك لليمين ولليسار الإسرائيلي، ولا يفلت منه أيضاً معسكر السلام الإسرائيلي. وإذا ما تحقق "حق العودة" فخلال سنوات قليلة ستكون أغلبية عربية في دولة إسرائيل، الأمر الذي ستكون له انعكاسات سياسية كثيرة.
من هنا فإن حق العودة سيؤدي إلى نسف المشروع الصهيوني وتهديد الهوية الصهيونية وتصفية دولة إسرائيل والغاء طابعها اليهودي على المدى البعيد، أما على المدى القريب فهو الخوف من أعمال عدوانية، فالذين سيعودون سيكونون معاديين لدولة إسرائيل وبهذا سيصبح خلل في النظام الاجتماعي، هذا بالإضافة إلى الفوارق الواضحة في نمط الحياة والعقلية العربية واليهودية.
شعار الدولة الديمقراطية الموحدة للشعبين:
يرى المجتمع الإسرائيلي أن من يطرح هذا الشعار هو يطرح بمعنى آخر "حق العودة" إن إقامة دولة واحدة ديمقراطية حيث يعيش بها الإسرائيليون والفلسطينيون، سيؤدي في النهاية إلى القضاء على دولة إسرائيل، هذا الشعار يظهر وكأنه فكرة إيجابية ليبرالية بعيدة عن التعصب القومي وباتجاه قبول حل وسط.
إن هذه الفكرة يمكن تحقيقها فقط عن طريق القضاء على دولة إسرائيل، إن من يطرح هذا الشعار يريد أن يظهر بأنه معتدل من جهة، ومن جهة أخرى لكي يكون قبول هذا الشعار أسهل عند الرأي العام العالمي.
كيف يفسر الإسرائيليون إصرار الفلسطينيين على حق العودة:
إن إصرار الفلسطينيين وتمسكهم بحق العودة خلال ستين عاماً، لفت نظر الكثير من السياسيين، ومن الأكاديميين المتخصصين بدراسات الشرق الأوسط في إسرائيل، باستطاعتنا أن نجمل هذه التفسيرات كما يلي:
1. المستقبل يعمل لصالح الفلسطينيين؛ يعتقد الفلسطينيون أن قوتهم آخذة في الازدياد مع مرور الزمن. والقوة هناك ليست القوة العسكرية فحسب، بل القوة الاقتصادية والإعلامية والدعائية... وفي النهاية سيحققون الهدف، ويقررون الحل المطلوب؛ وأن ما عليهم الآن هو الانتظار والحفاظ على شعلة الصراع.
2. إن الدعم الغربي لإسرائيل آخذ في التآكل. فإسرائيل هي عبء على كاهل الدول الغربية، لأن دعم الدول الغربية لإسرائيل يضر بمصالح الغرب، من هنا فكثير من الدول الغربية بدأت تعيد تقييم علاقتها مع إسرائيل. إن التأييد الأعمى لإسرائيل لم يعد قائماً وخاصة بين صفوف الشعوب الغربية.
3. الفارق التكنولوجي والعلمي بين إسرائيل والدول العربية أخذ في التقلص، بسبب التطور العلمي في العالم العربي، وعندها فإن العدد الكمي للعرب هو الذي سيقرر.
موقف الجماعات اليسارية بزعامة أوري افنيري من حق العودة:
بعض الجماعات اليسارية الإسرائيلية ترى أن الاعترف بحق العودة والعمل من أجل تحقيقه هو خطوة أولى وضرورية في طريق المصالحة بين الشعبين اليهودي والفلسطيني، إن بناء حقوق الإسرائيليين على نفي حقوق الفلسطينيين، ينفي وجود حقوق للإسرائيليين، وفقط عندما يُنْصف الإنسان الفلسطيني، يستطيع الإسرائيلي أن يعيش باحترام مع ذاته.
يرى افنيري أنه يجب على إسرائيل أولاً أن تعترف بمسوؤليتها التاريخية لحدوث مشكلة اللاجئين، هذا الاعتراف يجب أن يكون واضحاً ومعلناً. إن مشكلة اللاجئين هي نتيجة لتحقيق رغبة الحركة الصهيونية في إقامة وطن يهودي في البلاد، إن من واجب المجتمع الإسرائيلي، الاعتراف على الأقل بأن جزءاً من اللاجئين قد طُرد من مكان سكناه بعد انتهاء الحرب ولم يسمح له بالعودة.
ويرى افنيري أن تحقيق الحلم اليهودي جاء من أجل تحرير قومي وإنقاذ الملايين من اليهود من المصائب في أوروبا. ويقترح افنيري إقامة لجنة مكونة من مؤرخين فلسطينيين وإسرائيليين ومن دول أخرى للتحقيق في حوادث عام 1948 و1967 وتقديم تقرير شامل متفق عليه ومن ثم تدريسه في المدارس الإسرائيلية والفلسطينية.
إن حق العودة من وجهة نظر افنيري هو حق إنساني ويجب عدم إنكاره، وهو يقترح على إسرائيل الاعتراف به، إنه يرى أن حل مشكلة اللاجئين يجب أن تتواكب مع قيام الدولة الفلسطينية، حيث تعطي مواطنة فلسطينية لكل لاجئ فلسطيني حيثما كان إذا وافقت على ذلك الدولة الفلسطينية، وهذا الأمر يساعد على تنقل الإنسان الفلسطيني من مكان إلى آخر إن الحصول على المواطنة الفلسطينية يساعد كل فلسطيني في أماكن تواجده.
إن جوهر حق العودة هو حق كل لاجئ، الاختيار بشكل حر، قبول العودة أو قبول تعويضات، هذا الحق هو حق فردي، فيحق لكل فلسطيني أن يعرف حقوقه، أي مبلغ سيدفع له وما هي الإمكانات المطروحة أمام من يريد العودة، أما بالنسبة للتعويضات فيجب أن تدفع من صندوق دولي، وللاجئ الفلسطيني الحق في طلب ذلك من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي وافقت على التقسيم عام 1947 والتي لم تفعل شيئاً في منع المأساة الفلسطينية.
يرى افنيري أن الحل الأفضل هو إقامة دولتين لشعبين، أما بالنسبة للعرب في دولة إسرائيل فيجب أن يكونوا شركاء متساويين مع اليهود، ومن الواضح أن عودة ملايين الفلسطينيين إلى دولة إسرائيل سيؤدي إلى تغيير طابع الدولة بشكل قاطع، الأمر الذي يتعارض مع أهداف مقيمي دولة إسرائيل وسكان دولة إسرائيل. ومن أجل تضميد الجراح النفسية وإجراء مصالحة تاريخية، فلا مفر من إعادة عدد لا يستهان به من اللاجئين إلى دولة إسرائيل. هذا العدد سيقرر بالاتفاق بين الطرفين، إن هذا الأمر يقابل بالرفض في إسرائيل،حيث أننا لا نجد زعيماً إسرائيلياًً يجرؤ على الإفصاح بهذا. إن رفض هذه الفكرة قائم عند كل من اليمين واليسار الإسرائيلي.
إن إعادة ولو عدد محدود من اللاجئين هو اعتراف بحق العودة، وأخذ المسؤولية لأحداث الماضي، وأن رفض هذه الفكرة نابع من الخوف من الماضي.
اقترحت حكومة إسرائيل مؤخراً إعادة ثلاثة آلاف فلسطيني كل سنة في نطاق "جمع الشمل" إن هذا خطأ فظيع، لأن المطلوب هو خطوة واضحة وعودة واضحة للعيان في إطار حق العودة الأمر الذي يشكل خطوة أولى رمزية للمصالحة، فإسرائيل التي استطاعت استيعاب أكثر من مليون قادم جديد من الاتحاد السوفيتي سابقاً، هي قادرة على استيعاب عدد معين من اللاجئين الفلسطينيين، إن الخوف هو خوف ديمغرافي أيديولوجي. في هذا المجال يقترح افنيري عودة خمسين ألف فلسطيني كل سنة على مدار عشر سنوات.
إن وجود حوالي 1.5 مليون عربي في إسرائيل لن يخل بالوضع الديمغرافي، إن اقتراح أفنيري يثير مخاوف عميقة في إسرائيل وفي الوقت نفسه فهو بعيد عن تحقيق المطالب الفلسطينية، ويفترض افنيري أن الكثير من الفلسطينيين سيفضلون البقاء في أماكن تواجدهم. وهذا الاقتراح من وجهة نظره سيعطي حلاً أخلاقياً عادلاً وعملياً. ويخلص افنيري إلى القول: إنه لا يوجد حل دون حل مشكلة اللاجئين، وهذا هو الحل الذي من الممكن أن يكون مقبولاً على الطرفين، ويتساءل افنيري لماذا لا تقوم دولة إسرائيل بإعادة بناء بعض القرى الفلسطينية التي هدمت، ومن ثم إعادة بعض الفلسطينيين إليها؟