صمت المتشائلين أم تعُنت الرافضين
بقلم : زيد ابوزيد
هل عاد جورج ميتشل بعد جولته الرابعة في منطقة الصراع العربي الصهيوني إلى بلاده بخفي حنين ؟ لقد كثَف في هذه المرة اجتماعاته في القدس المحتلة ورام الله وعمان والرياض والقاهرة , وقيل أنه اقترح مجموعة من الاقتراحات تمهد العودة إلى المفاوضات الفلسطينية مع الكيان الصهيوني التي توقفت بفعل التعنت الصهيوني بإصراره على اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة العبرية وعدم الحديث عن القدس التي يأخذ التهويد بتلابيبها, والاستمرار في الاستيطان تحت عناوين مختلفة كالتوسع الطبيعي, والإصرار على التمسك بتبعية المستوطنات الكبرى للدولة الصهيونية في حالة وجود أي حل, وإبقاء الجيش المحتل على الحدود الشرقية لهذه الدولة الفلسطينية في حالة قيامها , وفي الوقت نفسه تتسرب بعض الأنباء من هنا وهناك بمطالبة ميتشل للدولة الصهيونية بإعطاء السلطة في رام الله المسؤولية الكاملة في مناطق (ب) وعدم دخول مناطق (أ) التي تقع تحت مسؤولية السلطة إدارياً وأمنياً, في سبيل العودة إلى المفاوضات , ولكن هذه الاقتراحات والتسريبات لم تجد أذناً صاغية من الطرفين خصوصاً أمام تعنت الرافضين في الجانب الصهيوني, وصمت المتشائمين و المتشائلين في الجانب الفلسطيني, وبين هذا وذاك ما زال الوضع الفلسطيني الذي يسوده الانقسام والاتهام قائماً وإن كان المتشائلون يقولون أنه سيكون هناك تفاهم بين الطرفين ولو على المستوى الرسمي كما يصرح بذلك السيد عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية .
ولكن بين التشاؤم والتفاؤل فمن الواضح أنَ الوضع صعب وكل الطرق تؤدي إلى الهاوية، وهو ما عكسته تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما حين عبر عن عجز إدارته في الوصول إلى أيِ حل للقضية الفلسطينية، والسبب واضح وضوح الشمس في تموز حيث التعنت الصهيوني والرفض الواضح من حكومة بيبي نتنياهو بتقديم أي التزام واضح بوقف الاستيطان والاعتراف بحق العودة، وهو ما عكسته الجولة الأخيرة للسيناتور العجوز ميتشيل الذي أصبح يطالب الفلسطينيين بالقبول بأي شيء وعدم الوقوف عند ملف الاستيطان او الحدود .
إننا نقول بثقة تامة أن الطرق المغلقة يفتحها الفعل المقاوم، وأنَ صلف العدو يجب أنْ يقابلها صلابة عند المفاوض الفلسطيني والعربي، فدَمَ الشهداء لا يجب أنْ ينسى أو يغيب عن البال في رحلة البحث عن الدولة الحلم، فلأجل فلسطين أريق دم الشهداء وقضوا نحبهم وما بدلوا تبديلا، ولأجل فلسطين قامت الثورة ، وتحمل الشعب الهجرة والاغتراب، وهو ثمن يحتم على السلطة ومنظمة التحرير والعرب عدم الانصياع للسماسرة والمفرطين، ففلسطين قضية تاريخية ، والتفريط بأي شبر منها تفريط بحق مستقبل أجيالها.
لقد مرت القضية بكثير من المنعطفات الحادة في السابق مردها في بعض الأحيان الاستسلام للواقع، والحديث عن حالة الضعف العربي واختلال ميزان القوى العالمي، وظهر من بيننا من دعا للقبول بأي حل، وهنا لا بدَ من القول لكل من تحدث بذلك متذرعاً باختلال الموازين الدولية وموت الفعل الشعبي أنهُ لا يجب ان يغيب عن البال ان الشعب الفلسطيني ومعه الأمة لم يستكن للهزيمة وفجر الثورة تلو الثورة والانتفاضة تلو الانتفاضة عندما أحس أنَ فلسطين في خطر، ففي التاسع والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2000 كان الزلزال الشعبي الهادر يعبر عن صلابة الشعب الفلسطيني، ويقول لكل المشاهدين نحن هنا ولن نستكين للذل والهزيمة، وسارت الأمور بعكس ما أرادت واشنطن وتل أبيب وعواصم الدول الغربية، وبفطرة سياسية لا مثيل لها أعلن الشعب الفلسطيني المقاوم رفض الهزيمة و الصلف الصهيوني بكل صوره وأشكاله، وبدأ تبعا لذلك العقل الجمعي للشعب الفلسطيني يرى في الانتفاضة رمزا نضاليا لهذا الرّفض، وتحرّك بشكل مباغت ليجسّد هذا الرّمز، وبذلك تجـلّى الصّراع حاسما بين نقيضين: الانتفاضة الشاملة من جهة والعربدة الصهيونية من جهة أخرى، وكان خط الدّفاع الأوّل: العقل العربي جاهـزا للدّفاع عن قومية التراب العربي والوجدان الديني معا، و كان الفكر حاضرا والضمير أيضاً، وكان شعب برمته على استعداد للشهادة من أجل ما يعتقد أنّه الحق.
لقد كانَ ما وقع في التاسع والعشرين من أيلول (سبتمبر)2000 هو حصاد تراكمات النضال الوطني للشعب الفلسطيني وقواه الوطنية طيلة سنوات طوال، وهو كذلك نقطة لقاء الغضب الشعبي المتصاعد، وثأر الفصائل الفلسطينية لشرفها الكفاحي، وهو أيضا تأكيد الشارع العربي على ارتباطه العضوي بطموحات الشعب الفلسطيني المشروعة في الاستقلال والتحرّر والإنعتاق من نير الاحتلال و تجسيد راق لأسمى أشكال الصمود في وجه الطغاة، وهو إصرار إنسانيّ شامل ترجمه الشعب الفلسطيني وأمته العربية للعالم، وهو أنّ المساس بمقدسّات الأمّة وأهدافها الوطنية النبيلة أمر يهون دونه الموت، وأنّ الحسابات الوهمية التي يخطّط لها الأجنبي في عدائه لأمّتنا وحضارتنا، مصيرها الزوال، وأنّ كذلك معانقة الموت بروح استشهادية عالية سوف تستمرّ حتى ولو لم يبق في الأرض الفلسطينية غير شجرة زيتون واحدة ترنو بعنفوان إلى الآتي الجليل.
نقول هذا- اليوم- وبعد مرور هذه السنوات على انتفاضة الأقصى، لأنّ البعض مازال يزخرف إستراتيجية السّلام، ويؤسّس لسلام لا وجود له في عقلية توراتية جُبلت على إراقة الدّم والتخريب متجاهلاً أنَ الطريق مسدود أمام أي حل فالكيان الصهيوني ضرب عرض الحائط بكل عملية السّلام وبكل الاتفاقات وظلّ يناور داخل الغرف المغلقة وبين تأجيج الصّراع على الميدان دون أن يتورّع قتلته المحترفون عن التمثيل بجثث الشهداء والتنكيل بالأحياء منهم مثلما حصل في محرقة غزة.
فالمفاوضات العبثية التي انطلقت من أوسلو ما فتئت تترنّح وتلامس مهاوي الضياع، وفي المقابل مازال الجميع يتجاهلون حقيقة أنّ القانون الدولي يكفل لأهل البلاد الواقعة تحت إحتلال عسكري حق المقاومة والدفاع عن أنفسهم بشتى الطرق الممكنة.
إنّ مفاوضات السّلام ّأخذت من الوقت أكثر مما ينبغي ولا حل نهائي في الأفق لمأساة شعب يرزح تحت نير الاحتلال وتتجاوز معاناته حدود الصّبر والتحمّل. فالكيان الصهيوني الذي يصر على تجريد الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة لا يرغب في حل شامل لاحتلال بغيض دام أكثر من نصف قرن تُسترَدّ بموجبه كامل الأراضي المحتلة، وتتجسّــد من خلاله السيادة الفلسطينية ويُطبّق تبعا له حل لمشكلة اللاجئين وتصبح بمقتضـــاه القدس الشرقــية عاصمة لفلســطين المستقلة.ولذا فإنّ تحقيق هذه المكاسب في ظل الصلف الصهيوني هو ضرب من المستحيل، والغريب في الأمر أنَ أطرافاً من الصف الفلسطيني يتعامى عن الحقيقة، بل يقبل بفرض شروطاً جديدة عليه حتى في ملف المصالحة بين فتح وحماس حيث احتجت واشنطن على إمكانية توقيع فتح وحماس اتفاق مصالحة إلاَ بموجب شروط توافق عليها حماس أولاً لها علاقة بالقبول بشروط التسوية الأمريكية ، وهو اعتراض يأتي مترافقاً مع تبجح بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني المصطنع برفض وقف المستوطنات ورفض هدم القائم منها واعتبارها جزء لا يتجزأ من كيانه المصنع.
ونحن أيضاً نرى صعوبة في الوصول إلى حل توافقي بين السلطة وحماس حول قضايا لا يمكن التوافق عليها كقضية المفاوضات مع الكيان الصهيوني للوصول الى دولة فلسطينية على حدود ربما تقل عن 40% من مساحة فلسطين التاريخية وربما لا تزيد عن 70% من مساحة الأرض التي احتلها الكيان الصهيوني عام 1967دون القدس التي يضع الكيان الصهيوني ألف عقبة أمام أي عودة لها، ويحيطها بستار من المستوطنات اليهودية، مع التفريط بحق عودة اللاجئين، وهو الحل الذي يقول نتنياهو أنه شرط الوصول إلى اتفاق مع السلطة مؤكداً على يهودية الكيان الصهيوني كشرط أخر، وغامزاً من قناة محمود عباس بقوله انه يجب ان يكون صريحاً مع شعبه دلالة معرفة محمود عباس بطبيعة الحل المتوافق عليه برعاية السيناتور العجوز ميتشيل وسيط الرئيس الأمريكي أوباما، وهو ما ترفضه حماس بأي شكل، بخلاف ملفات أخرى تعتبرها حماس ضرورية لبقائها جزء من الحراك والفعل والقرار الفلسطيني وتعتبرها فتح والسلطة ضرورية لإنهاء النزاع كقضية عودة غزة لحكم سلطة ابومازن، وهي عودة تريدها حماس مقابل ثمن كبير لا تريد فتح والسلطة دفعه،كالتمثيل في المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية والمشاركة في قيادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية والتوافق على موعد وقانون انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ،ليس رغبة من حماس في السلطة كما تقول ولكن حتى تكون مقررة في قضايا الشعب وتمنع بيع قضيته ، وهو ما لا تريده السلطة وترفضه، وهنا تقف الأمور ولا تتحرك كلما اقترب الطرفان من الوصول الى حل.
إننا ونحن نترقب بدأ القمة العربية القادمة في ليبيا الأحرار نطالب بوقفة جادة تعيد للعرب وقفتهم الجادة اتجاه قضايا الصراع ووقف التفريط والمفاوضات العبثية، وإعادة اللحمة بين أطراف الخلاف الفلسطيني ووقف نزيف الوقت دون طائل ففلسطين قضية لن يغلق ملفها الآن والشعب لن يقبل بأي حل لا يعيد كل فلسطين وإلاَ فالموت دون ذلك.