مناكفات أم مفاوضات
بقلم: زيد ابوزيد
لست أدري لماذا ينصرف ذهني كلما ذكر الأسير الصهيوني جلعاد شاليط لدى حركة حماس في غزة الصامدة المقاومة إلى منطقة في الأردن تسمى"جلعاد" فهل كان والد شاليط الصهيوني البولوني يحلم فيما وراء نهر الأردن , والدولة الصهيونية قائمة أصلاً على التوسع منذ إنشائها , وذلك حين ترجم مؤسسها بن غور هذه الفلسفة قائلا " حدود إسرائيل حيث تستطيع دبابات جيش الدفاع الإسرائيلي الوصول " أم أن الأمر كان مجرد صدفة , فقد تتوافق الأسماء مع الأماكن , وقد تختلف على أية حال فقد كان نصيب هذا الجلعاد الشاليط أنْ يقع أسيراً في أيدي المقاومة لتبدأ بعد ذلك الحكاية .
ومنذ ذلك الوقت قامت الدنيا ولم تقعد، اللوبي الصهيوني يحرك كلَ القوى المساندة لدولة الاغتصاب , حتى وصل الأمر إلى الأمين العام للأمم المتحدة , والكلُ يطالب بهذا الجلعاد , وكأنه لا يوجد في سجون العالم سوى هذا المظلوم الذي لم يشارك قوات الموت الصهيوني قتل الفلسطينيين واغتصاب أراضيهم وتشريدهم وزج الآلاف منهم في ظلام السجون التي لا تشبهها سوى سجون عهود الظلام في أوروبا .
وكل ذلك أن العنجهية الصهيونية والعسكرتارية المجنونة في تل أبيب رأت في أسر هذا الجندي من قبل أبطال ومقاومين لا يملكون ما تملكه الآلة الحربية الغاشمة من وسائل التكنولوجيا وترسانة الحرب أمراً عظيما لا يجوز السكوت عليه ناسية ما في سجونها ما يزيد على الأحد عشر ألفاً من الشباب الفلسطيني الذين يسامون صنوف العذاب , وكأنهم حيوانات في سراديب حديقة الحيوان في تل أبيب .
لقد استكثر هؤلاء الجلادون أن يقع واحدٌ في الأسر , نعم واحد وهو واحد على أيةِ حال , ولكن هذا الواحد كما يرى هؤلاء من أصحاب الدم الأزرق الذين يحملون عقدة التفوق، وأنهم شعب الله المختار يساوي كل دم الفلسطينيين، لذا فالرد يجب أن يكون عنيفاً، فها هي الآلة العسكرية الصهيونية، بدباباتها الحديثة، وطائراتها الأمريكية وغير الأمريكية تنقض على القطاع الصغير الذي لا تزيد مساحته عن 10×50 كم تقتل وتدمر وتجرف الأراضي، وصمد الرجال .
ثم كان الحصار ليشمل كل نواحي الحياة من البر والبحر والجو , ومع ذلك صمد الرجال , ثم كان الهجوم الأخير قبل عام استخدم غيه كل مقدرات الصهاينة من أسلحة متطورة , وقذائف فسفورية محرقة , هدمت فيها المؤسسات والبيوت , واقتلعت بها الأشجار , وسقط ما يزيد على 1650 فلسطينيا ما بين شيخ وطفل وامرأة بالإضافة إلى آلاف الجرحى والمعاقين , وكل ذلك من أجل تحرير "شاليط"
نعم إنهم يتخذون من شاليط حجة للقتل والتدمير والإبادة الجماعية للعنصر الفلسطيني الذي يأبى أن يساوم , بل لآخر جرحٍ في عروقه سيقاوم . ولما لم تنجح كل هذه الحملات والجياع في غزة صامدون منطلقون من المثل العربي " تجوع الحرة ولا تأكل بثديها " لجأوا إلى جولات المفاوضات بواسطة الأخوة في مصر , ثم الوسيط الألماني , إن هذه المفاوضات ليست سوى مناكفات , فهم على ثقة أن الفلسطينيين مضطرون إلى الحفاظ على حياة شاليط انطلاقا من الأخلاق الإسلامية أولا والشهامة العربية ثانياً , والطمع في الوقت نفسه في تحرير أكبر قدر من الأسرى الفلسطينيين القابعين خلف القضبان المتينة .
إن الذين يلعبون مع السلطة الفلسطينية لعبة المفاوضات والمناكفات, يتحدثون كثيرا ولا يفعلون شيئا, ويبتلعون الأرض و المياه ، وكل أمل في إقامة دولة فلسطينية، هم أنفسهم الذين يلعبون الآن لعبة المفاوضات من أجل شاليط ، لذلك يمثلون علينا بأنَ هناك موافق وهناك معارض على تنفيذ صفقة الأسرى مقابل شاليط ، وتمضي التمثيلية الرخيصة فوزير الدفاع المجرم الذي اغتال قادة الثورة الفلسطينية في تونس وبيروت يدعي أنه مصر على تنفيذ الصفقة منطلق الحفاظ على جنوده وتخليصهم ، ومدير المخابرات والموساد يدَعي أن إطلاق المجاهدين من الفلسطينيين ( وكأنَ الصهاينة أيديهم بريئة من دم الفلسطينيين براءة الذئب من دم يوسف , والعنصري اليميني المتطرف ليبرمان الذي هدد بنسف السد العالي يوم من الأيام , يرفض الصفقة من أساسها, وهذا النتنياهو يمثل أنه حائر بين هذا وذاك , تنفيذا لخطة عضْ الأصابع , وإخراج من يرى فيهم خطراً خارج فلسطين وإبقاء من استهلكه السجن في الأرض المحتلة لا حول له ولا قوة . إن هذه المناكفات سوف تستمر كما استمرَت سابقاً , وإلى أن يجد كهنة هذا الكيان الغاشم الفرصة مواتية لأقصى ما يمكن تحقيقه من هذه الصفقة , فإنهم سيظلون يراوغون ويماحكون ويناكفون .
لذلك فإنَني ومن هذا المنبر أحذر الإخوة في حماس من مغبة الوقوع في الشراك المنصوبة لهم بالموافقة على إبعاد أهل الحق من وطنهم لأن ذلك يتنافى مع أبسط حقوق الفلسطينيين في العودة.
إنَ العنجهية الصهيونية أولاً وأخيراً رغم المناكفات لا تريد أنْ يموت شاليط في سجون المقاومين ، لذلك أيها المفاوضون الحمساويون خذوا حذركم وانتبهوا، واصبروا، فمن يدري لعلَ ما ترونه بعيداً سيكون قريباً.