وهم الدّولة الفلسطينيّة المفترضة
الدّكتور : سامي الشّيخ محمد
عين غزال ـ حيفا ـ فلسطين كنعان
المصدر: اجراس العودة
ما البديل الواقعي لخيار لدّولة الفلسطينيّة المستقلّة ، بعد أن أفرغتهُ
الحكومات الصّهيونيّة المتعاقبة من مضمونهِ ، منذ توقيع اتّفاق أوسلو بين
منظّمة التّحرير الفلسطينيّة والكيان الصّهيوني ، حتّى يومنا هذا ؟
الحقيقة الّتي تعلنُ عن نفسها بجلاء أمام الشّعب العربي الفلسطينيّ وسلطته
الوطنيّة ، وأمام النّظام السّياسيّ العربيّ والجامعة العربيّة ، وأمام
دول العالم أجمع ، هي انعدام إمكانيّة قيام دولة فلسطينيّة مستقلّة ، على
عموم الأراضي العربيّة الفلسطينيّة المحتلّة منذ العام سبعةٍ وستّين
وتسعمئةٍ وألف ، بفعل تقويض حكومة الإرهابيّ (نتنياهو) والحكومات الّتي
سبقته لهذه الإمكانيّة ، من خلال سلسلة الإجراءات العمليّة المتواصلة لتلك
الحكومات ، بحقّ الأرض الفلسطينيّة والشّعب الفلسطينيّ سواء بسواء ،
فالتهام مساحاتٍ كبيرة من أراضي الضفّة الغربيّة المحتلّة بواسطة جدار
الفصل العنصريّ ، وإنشاء آلاف الوحدات الاستيطانيّة على تلك الأراضي ،
وبشكلٍ خاص على أراضي القدس والأحياء العربيّة المحيطة بها ، وإرغام آلاف
الأُسر الفلسطينيّة على إخلاء منازلها وأراضيها لمصلحة المستوطنين
والمستوطنات ، واستمرار الحفريّات الصّهيونيّة الخطيرة تحت المسجد الأقصى
والأحياء القريبة منه ، ووجود أكثر من ستمئة حاجز عسكريّ للاحتلال بهدف
التّضييق على حياة الفلسطينيّين وحريّة تنقّلهم بين القرى والمدن والمناطق
الفلسطينيّة ، واستمرار الحصار المفروض على قطاع غزّة ، واعتقال أكثر من
عشرة آلاف فلسطينيّ في السّجون الصّهيونيّة ، وتواصل عمليّات التوغّل
العسكريّ لقوّات جيش الاحتلال في قطاع غزّة ومدن الضفّة الغربيّة وقراها
بهدف التّدمير والقتل والاعتقال ، ناهيك عن الاشتراطات السّياسيّة لحكومة
(نتنياهو) لاستئناف التّفاوض مع السّلطة الفلسطينيّة ، المتمثّلة في :
الموافقة على يهوديّة (إسرائيل) ورفض عودة اللاّجئين الفلسطينيّين ، ورفض
الانسحاب من القدس ، ورفض تفكيك وإخلاء المستوطنات في الضّفّة الغربيّة ،
والسّيطرة على الحدود والأجواء والموانئ البحريّة ، والسّيطرة على الموارد
المائيّة في الأراضي الفلسطينيّة ، وعدم السّماح للسّلطة الفلسطينيّة
وكيانها السّياسيّ في المستقبل من امتلاك قدرات عسكريّة دفاعيّة ، يُعدُّ
من أبرز الإجراءات الصّهيونيّة العادمة لإمكانيّة قيام دولة فلسطينيّة
مستقلّة على الأرض الفلسطينيّة من النّاحية الواقعيّة الموضوعيّة . إضافةً
لعجز الإدارة الأمريكيّة والمجتمع الدّولي عن إلزام (إسرائيل) بتنفيذ
متطلّبات السّلام العادل والشّامل على كافّة المسارات العربيّة .
إزاء ذلك يُصبحُ لزاماً على القيادة السّياسيّة الفلسطينيّة والعربيّة ،
اتّخاذ قرارٍ سياسيٍّ شجاع ، يُعلنُ فيه تحميل (إسرائيل) مسؤوليّة فشل
العمليّة السّياسيّة التّفاوضيّة ، وعَدْمِها لإمكانيّة قيام دولة
فلسطينيّة مُستقلّة . وتبنّي استراتيجيه سياسيّة فلسطينيّة وعربيّة لتسوية
الصّراع العربيّ الصّهيوني ، تقوم على فكرة إقامة دولة واحدة على كامل أرض
فلسطين التّاريخيّة ، يعيش فيها العشرة ملايين عربي فلسطيني ومن يرغب
بالعيش معهم بأمن وسلام من (الإسرائيليّين) ، طبقاً للرّؤية السّياسيّة
الّتي أعلنها السيّد المجاهد أحمد جبريل (أمين عام الجّبهة الشّعبيّة
لتحرير فلسطين ـ القيادة العامّة ) على وسائل الإعلام قبل بضعة أشهر .
إنَّ شروع الجانب الفلسطيني في تبنّي خيار الدّولة الدّيمقراطيّة الواحدة
على كامل أرض فلسطين التّاريخيّة ، يترتّب عليه إعادة النّظر في
الإستراتيجية السّياسيّة الفلسطينيّة والعربيّة ، وفي مقدّمتها المبادرة
العربيّة للسّلام ، بحيث تقوم على تبنّي هذا الخيار رسميّاً ، إضافة
للتمسّك بمطلب انسحاب الاحتلال الصّهيوني من الجولان السّوريّ والأراضي
الّلبنانيّة حتّى خطّ الرّابع من حزيران لعام سبعةٍ وستّين وتسعمئةٍ وألف
، والعمل على تسويقه دوليّاً ، لإرغام ( الكيان الصّهيوني ) على قبول هذا
الخيار ، بوصفه حلاًّّ سياسيّاً ممكناً لتسوية الصّراع العربيّ الصّهيوني
، واقعيّاً و عمليّاً .
إنَّ قيام دولةٍ ديمقراطيّة واحدةٍ على كامل أرض فلسطين التّاريخيّة ،
وحده يضمن تحقيق الحدّ الأدنى للحقوق العربيّة الفلسطينيّة ، في ظلّ
الشّروط التّاريخيّة الرّاهنة ، وهو ما لم تفلح جميع الخطوات السّياسيّة
المتّخذة منذ انعقاد مؤتمر مدريد للسّلام وتوقيع اتّفاق أوسلو ، وخطّة
خارطة الطّريق ، انتهاءً بمؤتمر أنابولس ، تحقيقه عمليّاً .