من الأوفياء للأوفياء
تحية في الذكرى الأربعين لإطلالة ثورة الفاتح
أ. مها المصري .أستاذة العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية
ثورة الفاتح من سبتمر التي حولت ليبيا من ملكية إلى جماهيرية عام 1969 بقيادة العقيد معمر القذافي تحتفل هذه الأيام بالذكرى الأربعين لثورة اعتبرها الكثيرون أول نصر للعرب بعد نكسة عام 1967 ونظر(بضم النون) إليها على أنها بداية النهوض بالأمة العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء بما تضمنته أهدافها وشعاراتها.
ليبيا تحتفل اليوم بذكرى ثورتها التي أنهت قرونا من الاستعمار والاحتلال فبعدما أنهت الفتوحات الإسلامية حكم الرومان لها جاء النفوذ العثماني ليستمر حتى عام 1912 ويسلمها للايطاليين بموجب معاهدة اوشي ليفرضوا نفوذهم وتحكمهم كسلطة احتلال حتى العام 1932 وعلى الرغم مما رافق سنوات الاحتلال الايطالي هذه من ثورة ومقاومة وجهاد من قبل الليبيين لم ينجح الليبيون في الحصول على حريتهم واستقلال بلدهم حينما استبدل الاحتلال الايطالي باقتسام فرنسي بريطاني للبلد عام 1945 لتشهد بذلك هذه السيطرة الانجلوفرنسية مزيدا من المقاومة للمطالبة باستقلال ليبيا والذي أخيرا حصلت عليه بموجب قرار الأمم المتحدة عام 1949 .لكن تسلمها من قبل الملك محمد إدريس السنوسي الذي اشتهر بالاتفاقيات التي وقعها مع دول أجنبية مثل بريطانيا أعاد لليبيين ذكرى السيطرة والاحتلال بعد منحه للدول المشار إليها نفوذا وسيطرة واسعة على بعض المناطق الليبية الأمر الذي رفضه الليبيون واعتبروه إعادة للسيطرة الأجنبية.هذا الواقع الذي جسده النظام الحاكم قاد ليبيا عام 1964 لتشهد تظاهرات احتجاجا على سياسة الملك الذي تراجع عن قرار التنحية الذي سبق أن اتخذه. وبذلك أصبح خط سير وعمل الملك والحكومة متعارضا جملة وتفصيلا مع مطالب الشعب الذي قرر أخيرا تنظيم نفسه للمطالبة بتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزرية خاصة حراك القوميين الذين عملوا بشكل سري للإطاحة بالحكومة بدعم من الأنظمة القومية العربية وفي مقدمتها جمال عبد الناصر.اتحد الوطنيون الليبيون بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية تحت اسم حركة الضباط الوحدويون الأحرار والتي أعلنت ثورتها عام 1969 منهية بذلك النظام الملكي المتعاون مع الدول الاستعمارية معلنة نجاح الثورة.الثورة مثلت محطة تحول كبرى في حياة الليبيين وحياة الأمتين العربية والإسلامية والإنسانية بما حملته من أهداف ودلالات وطنية وقومية فقد كان تحرر الشعب الليبي من قيود الاستعمار والتحكم والسيطرة والتبعية الأجنبية بحد ذاته انتصارا للأمة العربية باعتباره يؤسس لتحقيق الحلم العربي الكبير في استعادة شعوب امتنا كل ما كانت تملكه من أسباب القوة والتقدم وتحقيق مشروعها العظيم المتمثل بالوحدة العربية الشاملة – الثورة- التي تعني في الفكر الجماهيري التحول الجذري في بنية المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتسليم السلطة للشعب.ولان الثورة في علم السياسة عملية تغيير جذرية في الهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع تحدث في إطار الدولة نتيجة تغيير الهيئة الحاكمة فعادة ما تقترن الثورة باستجابة الشعب لحدوثها ودعمها لكن يبقى الإعلان عن نجاحها مرهونا بما يتبع من إحداث أهداف الثورة بتحقيق التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هياكل النظام السياسي القائمة.لهذا عملت قيادة الثورة على تجسيد الحكم الشعبي إقرارا لسلطة الشعب الذي لا سلطة سواه وأعلنت عن تمسكها بالاشتراكية تحقيقا لملكية الشعب وحتمية تحقيق الوحدة العربية الشاملة. فقد جاءت ثورة الفاتح من اجل الرقي بالإنسان ونقله من دوائر التخلف والجهل إلى دائرة الإبداع ومن اجل تعزيز دعائم المساواة والحرية فهي أولت الإنسان في شعاراتها القيمة العظمى بوضعها حلولا لمعاناته وجاءت ترفض واقع التردي للمجتمعات الإنسانية القابعة تحت الأنظمة الدكتاتورية وكسر احتكار السلطة.أهم ما قدمته أنها منذ البداية كانت عونا ومساندة لحركات التحرر العالمية التي تناضل من اجل الاستقلال وجعل هوية لأبناء شعبها فكانت مناهضة للاحتلال الصهيوني للأراضي العربية. وواضعة أولوية لها تمثلت في استرداد ثروة الشعب الليبي وتوظيفها في مشاريع تنموية بدأتها بتأميم شركات النفط الاحتكارية الأمريكية والبريطانية لتأكيد شرعية النظام لدى الشعب الليبي فقد تم التفاوض مع أمريكا للجلاء عن قاعدة الملاحة هويل فتسلمتها ليبيا وأطلقت عليها اسم عقبة بن نافع كما تفاوضت مع بريطانيا وتم إجلاؤها عن قواعدها في بنغازي والعدم وطبرق. وبذلك حقق الشعب الليبي إرادته المستقلة وامتلك قراره المستقل واختار النهج الذي أراده الشعب لنفسه. فقد استطاع الليبيون الاعتماد على أنفسهم في بناء وطنهم والحفاظ على ثرواته.وللتأكيد على الطابع الإسلامي للحياة الليبية الجديدة تم استصدار قوانين تمنع تعاطي الخمر وتدعو لتطبيق فريضة الزكاة بعد أن أعلن القذافي عن توجهاته الإسلامية.الثورة التي وضعت سجلا حافلا بالأهداف والمبادئ والثوابت كان أهمها تحرير الأرض الليبية من القواعد والقوات الانجلو أمريكية وبقوة إرادتها أنجزت ذلك توجهت بعد ذلك للقضاء على ثالوث الفقر والجهل والمرض بما أنجزته في جميع مجالات العلم والمعرفة والثقافة والصحة . فمثلما أحدثت نهضة زراعية أساسها مقولة أن لا حرية لشعب يأكل من وراء حدوده خاصة انجازها النهر الصناعي العظيم نجدها اعتمدت نهضة إسكانية غير مسبوقة بعد سنوات من الحرمان أيام التخلف والاستعمار كما وأنشأت الإذاعات المرئية والمسموعة وأصدرت المطبوعات بأنواعها. انجازات بدون استثناء لا يمكن الاستهانة بها .